خرجت الجزائر من كأس العالم 2026 عند أول عتبة من الأدوار الإقصائية، بعدما سقطت أمام سويسرا بهدفين نظيفين في الدور الإقصائي الأول. لكن صافرة النهاية في تلك المباراة لم تحمل معها فقط نهاية مشوار محاربي الصحراء في النسخة الأمريكية الموسعة، بل أسدلت الستار أيضاً على واحدة من أطول وأنجح المسيرات الفردية في تاريخ الكرة الجزائرية. فبعد اللقاء مباشرة، أعلن رياض محرز اعتزاله اللعب الدولي، مؤكداً أن مباراة سويسرا كانت ظهوره الأخير بقميص المنتخب، بحسب ما ذكرت شبكة ESPN. هكذا التقت في ليلة واحدة نهاية حلم جماعي ووداع رمز فردي، في مشهد نادراً ما يتكرر بهذا الوضوح.
سقوط سريع أمام سويسرا
لم تمنح سويسرا الجزائر فرصة كبيرة لالتقاط الأنفاس. افتتح بريل إمبولو التسجيل مبكراً في الدقيقة العاشرة، ليضع محاربي الصحراء أمام مهمة صعبة منذ البداية ويجبرهم على ملاحقة النتيجة طوال الشوط الأول. ثم جاءت الضربة القاضية بُعيد الاستراحة مباشرة، حين أضاف دان ندواي الهدف الثاني في الدقيقة 46، ليقتل أي أمل في عودة جزائرية ويحسم التأهل لصالح المنتخب السويسري بشكل مبكر نسبياً في الشوط الثاني، وفق تقرير ESPN عن المباراة.
التوقيت هنا كان له وقعه الخاص. هدف مبكر يفرض على أي فريق تغيير خطته وهو لم يستوعب بعد إيقاع المباراة، وهدف ثانٍ فور استئناف اللعب يقطع الطريق على أي محاولة لإعادة التنظيم خلال الاستراحة. جزائر وجدت نفسها تُطارد نتيجة صعبة أمام خصم أوروبي منظم، ولم تستطع تحويل الضغط المتأخر إلى فارق حقيقي على أرض الملعب.
إعلان يحمل ثقل التاريخ
في اللحظة التي كان يُفترض أن تكون مخصصة بالكامل لتحليل الخروج، سرقت الأضواء كلمات رياض محرز. الجناح الجزائري اختار لحظة الخسارة نفسها ليعلن طي صفحة مسيرته الدولية، منهياً رحلة استمرت لسنوات طويلة بقميص الخضر. الأرقام وحدها كافية لتلخيص حجم ما تركه خلفه: 40 هدفاً في 119 مباراة دولية، رقم يجعله ثاني أفضل هداف في تاريخ المنتخب الجزائري على الإطلاق، بحسب ما أوردته ESPN.
مثل هذا الإعلان لا يأتي عادة من فراغ. حين يختار لاعب بحجم محرز أن يربط لحظة اعتزاله بلحظة إقصاء منتخبه، فإن الرسالة تتجاوز الرقم والمباراة، لتقول إن دورة كاملة قد اكتملت: بداية مع جيل معين، ونهاية مع خروج ذلك الجيل من المنافسة. لم يكن محرز مجرد لاعب في التشكيلة، بل كان لسنوات طويلة محور اللعب الهجومي ونقطة الثقل التي تُبنى حولها الخطط، وهو ما يجعل غيابه المفاجئ عن قائمة المستقبل تحدياً حقيقياً لأي جهاز فني قادم.
من يتحمل المسؤولية؟
كما هو متوقع بعد كل خروج مبكر في بطولة بحجم كأس العالم، بدأت موجة من التحليلات اللاحقة تبحث عن إجابات، ومن يتحمل المسؤولية عن هذا الإخفاق. وسائل إعلام رياضية، من بينها موقع Elbotola، فتحت ملف المساءلة عن أسباب النهاية المبكرة لحلم الجزائر في المونديال، في نقاش يتكرر كلما اصطدم طموح جماهيري بواقع نتيجة قاسية على أرض الملعب.
هذا النوع من المساءلة مشروع، لكنه أيضاً يكشف صعوبة توزيع المسؤولية بعد نهاية مماثلة. فهل يقع اللوم على الجهاز الفني الذي لم يستطع إيجاد بدائل هجومية كافية؟ أم على جيل من اللاعبين يقترب من نهاية مشواره الدولي بلا خليفة واضح جاهز لملء الفراغ؟ الأرجح أن الإجابة لا تكمن في اسم واحد أو قرار واحد، بل في تراكم تحديات بنيوية كانت الجزائر تعرفها منذ سنوات، وظهرت بكامل وضوحها في لحظة الحقيقة أمام سويسرا.
إرث لاعب استثنائي
بعيداً عن نتيجة مباراة واحدة، يبقى إرث محرز مع منتخب بلاده أكبر من أي جدل قصير الأمد. فالرجل الذي شكل لسنوات طويلة عصب الهجوم الجزائري ونقطة القوة التي يعول عليها المنتخب في اللحظات الحاسمة، ترك بصمة يصعب محوها من ذاكرة الجماهير. جيل كامل من مشجعي الخضر لم يعرف منتخب بلاده إلا وهو يقود الهجمات من الجهة اليمنى، فارضاً حضوره في كل استحقاق كبير خاضته الجزائر.
الرقم الذي أعلنته ESPN، أي كونه ثاني أعلى هداف في تاريخ الجزائر بـ40 هدفاً، ليس مجرد إحصائية عابرة، بل مؤشر على مدى الاستمرارية والتأثير الذي قدمه على مدى سنوات طويلة في مواسم دولية متعاقبة. لاعب بهذا الحجم لا يُقاس فقط بالأهداف، بل بقدرته على أن يكون نقطة ثقة يلجأ إليها المدرب والزملاء في اللحظات الحاسمة، وهو الدور الذي أداه محرز طويلاً قبل أن يقرر إنهاءه بنفسه، في توقيت اختاره هو، لا فرضته عليه الظروف وحدها.
فراغ يبحث عمن يملؤه
التحدي الحقيقي أمام الجزائر الآن لا يتعلق بالخروج من كأس العالم فحسب، بل بما بعده. اعتزال لاعب بحجم محرز في اللحظة نفسها التي ينتهي فيها المشوار يترك فراغاً مضاعفاً: غياب عن التشكيلة الأساسية، وغياب عن دور القيادة داخل غرفة الملابس. أي جهاز فني قادم سيجد نفسه مطالباً بإعادة بناء الهوية الهجومية للمنتخب من الصفر تقريباً، بعدما اعتاد الاعتماد لسنوات على خبرة ومهارة لاعب واحد في اللحظات الحاسمة.
هذا لا يعني أن الجزائر بلا مستقبل، لكنه يعني أن مرحلة انتقالية باتت حتمية. النقاش الذي أثارته تقارير ما بعد المباراة حول المسؤولية عن الخروج المبكر سيتقاطع حتماً مع نقاش آخر أكثر إلحاحاً: من يملأ فراغ محرز، وكيف تبني الجزائر جيلاً جديداً قادراً على المنافسة في الاستحقاقات المقبلة دون الاتكاء على اسم واحد يحمل الفريق على كتفيه.
ختام حقبة، وبداية سؤال جديد
في النهاية، ستُذكر ليلة سويسرا والجزائر بوصفها لحظة مزدوجة: خروج مبكر مؤلم من كأس العالم، ووداع رمزي لأحد أهم لاعبي تاريخ المنتخب. الرقمان، 2-0 و40 هدفاً في 119 مباراة، سيبقيان مرتبطين إلى الأبد في الذاكرة الجماهيرية، أحدهما يمثل خسارة عابرة على أرض الملعب، والآخر يمثل إرثاً يمتد لسنوات طويلة. وبينما تبحث التحليلات عن المسؤول عن الإخفاق الأخير، يبقى السؤال الأكبر معلقاً: كيف تكتب الجزائر فصلها القادم بعد أن أغلق أحد أعظم لاعبيها التاريخيين الباب خلفه بنفسه.
No comments yet