توّجت إسبانيا بطلةً لكأس العالم 2026 بعدما تغلّبت على الأرجنتين بهدف نظيف في الوقت الإضافي على ملعب "ميت لايف" في نيوجيرزي، غير أنّ النتيجة وحدها لا تروي شيئاً عن طريقة الحسم. لم يكن انتصاراً عادياً، بل خنقاً تكتيكياً طويل النَّفَس أنهى حلم منتخب ميسي في الدفاع عن لقبه، ومنح رجال لويس دي لا فوينتي ثنائية أوروبا والعالم، وأول لقب عالمي منذ 2010.
الرقم الذي يختصر كل شيء صادم: الأرجنتين، حاملة اللقب، لم تسدّد على مرمى إسبانيا ولو مرة واحدة طوال 120 دقيقة، بل لم تُطلق أي تسديدة على الإطلاق في زمن المباراة الأصلي. صفر تسديدات على المرمى. هكذا سقطت كتيبة ميسي.
رودري يمسك بخيوط اللعبة
كل شيء بدأ من العمق. جلس رودري في قلب الوسط ليضبط إيقاع المباراة كما يشاء، فراكمت إسبانيا 762 تمريرة ناجحة بدقة بلغت 89 في المئة، مقابل 358 تمريرة فقط للأرجنتين. سيطرة بنسبة 65 في المئة على الكرة تركت المنتخب الأرجنتيني يركض خلف الظلال.
لم تُبنَ هذه الأفضلية بالصدفة. تقدّم الظهيران ليمنحا الأجنحة عرض الملعب، بينما نزل رودري بين المدافعَين ليُخرج الكرة من الضغط الأول، فوجدت الأرجنتين نفسها في نقص عددي دائم في وسط الميدان. كلما حاولت الضغط، فتحت مساحة خلف خطها، وكلما تراجعت، سلّمت الكرة والوقت معاً.
لم تكن السيطرة زينةً في الإحصاء. كل استحواذ إسباني كان يعني دقيقة إضافية بعيداً عن المرمى الإسباني، ودقيقة يهدر فيها لاعبو الأرجنتين رصيدهم البدني. ضغط عالٍ فور فقدان الكرة، واسترداد سريع، ثم إعادة بناء بصبر. هكذا خُنق اللقاء ببطء.
جناحان لا يُقهران
على الأطراف وُلد الخطر. مدّد نيكو ويليامز ولامين يامال ملعب الأرجنتين عرضياً حتى تمزّق الخط الخلفي. كان يامال، ابن التاسعة عشرة، أكثر من يكسر الخطوط بمراوغاته من الرواق الأيمن، فيما انطلق نيكو ويليامز في ظهر المدافعين على اليسار.
سدّدت إسبانيا 19 كرة، 12 منها على المرمى، بمعدل أهداف متوقعة بلغ 1.94 وأربع فرص محققة، لكن إيميليانو مارتينيز وقف سداً منيعاً وتصدّى لإحدى عشرة كرة ليؤجّل الحسم. ومع كل عرضية وكل اختراق، كان الحارس وحده يقف بين الأرجنتين وكارثة أكبر من هدف.
الجدار انهار في الدقيقة 106. حوّل نيكو ويليامز الكرة برأسه عرضيةً أمام المرمى داخل منطقة الحارس، فانقضّ فيران توريس عند القائم القريب ووضعها في الشباك أمام مارتينيز. هدف واحد كان كافياً بعد كل هذا الحصار.
ميسي بلا كرة
أصعب سؤال واجهته الأرجنتين: كيف تلعب من دون كرة؟ حُرم ميسي، ابن التاسعة والثلاثين، من أبسط اللمسات، فتراجع بعيداً بحثاً عنها ووصل إلى مناطق لا تصنع خطراً. أهداف الأرجنتين المتوقعة توقفت عند 0.20، وفرصها المحققة عند صفر.
أغلقت إسبانيا المنابع قبل أن تصل الكرة إلى قدمَي ميسي. راقب رودري وزملاؤه خطوط التمرير نحوه، فكلما نزل النجم ليطلبها وجد ظلاً إسبانياً يلاحقه. حصار الاستحواذ سرق منه الدقائق التي يحتاجها ليصنع الفارق.
المنتخب نفسه الذي شقّ طريقه إلى النهائي بدا أمام الماكينة الإسبانية عاجزاً عن لمس الكرة، فكيف يسدّد؟ وحتى الطرد الذي قلّص الأرجنتين إلى عشرة لاعبين في الوقت الإضافي جاء متأخراً ولم يغيّر شيئاً في معادلة حُسمت قبله بكثير.
ما الذي يعنيه هذا اللقب
بهذا الفوز يصبح لامين يامال بطلاً للعالم وهو في التاسعة عشرة، أحد أصغر الأبطال في التاريخ الحديث، فيما قدّم رودري في قلب الميدان أداءً كامل الأركان كان حجر الأساس في هذا الحصار الطويل.
أنهت إسبانيا البطولة كما بدأتها، بدفاع نادراً ما اهتزّ، لتضيف كأس العالم إلى لقب أوروبا 2024 وتؤكد أنها المشروع الأكثر اكتمالاً في الكرة الحالية.
في المقابل، طوى ميسي مشواره في ما يُرجَّح أنه موندياله الأخير من دون اللقب ومن دون الحذاء الذهبي، إذ حسمه كيليان مبابي برصيد عشرة أهداف، فيما توقّف الأسطورة الأرجنتيني عند ثمانية. راية جيل جديد تُرفع، وإسبانيا تفتح حقبة جديدة على قمة الكرة.
المصادر
- ESPN
- FIFA
- Yahoo Sports
- الجزيرة نت
- Cover photo: Tam Tam from Shizuoka, JAPAN / CC BY-SA 2.0, via Wikimedia Commons
No comments yet