احتشد آلاف الأرجنتينيين حول نصب الأوبيليسكو في قلب بوينس آيرس مساء أمس، لا احتفاءً بلقب ولا تتويجًا ببطولة، بل تحيةً لمنتخبٍ سقط في المباراة النهائية أمام إسبانيا بهدفٍ نظيف في الوقت الإضافي، فامتزجت دموع الخسارة بفخر بلوغ نهائيين متتاليين لكأس العالم.
لم يكن مشهدًا اعتياديًا. فبحسب صحيفة بوينس آيرس تايمز، بدأت اللحظات الأولى عقب صافرة النهاية بصمتٍ مذهول خيّم على المكان، قبل أن يتحوّل تدريجيًا إلى تصفيقٍ وامتنان. الحزن يعتصر الوجوه، وفي الوقت نفسه تصدح الطبول والهتافات وتضيء الألعاب النارية سماء الساحة.
وبحسب الصحيفة نفسها، بدأ المشجعون يتوافدون إلى قلب العاصمة قبل ساعات من صافرة البداية، وبقي كثيرون منهم بعد الخسارة يرفضون إنهاء الليلة منكسرين.
هدفٌ في الوقت القاتل يحسم النهائي
حسمت إسبانيا اللقاء على ملعب "ميت لايف" في نيوجيرزي بهدفٍ سجّله فيران توريس مع بداية الشوط الثاني من الوقت الإضافي، بعدما حوّل إلى الشباك كرةً رأسية مررها نيكو ويليامز إثر عرضية من بيدرو بورو، وفق ما نقلته شبكة ESPN. بهذا الفوز تُوّجت إسبانيا باللقب، فيما اكتفت الأرجنتين بالوصافة رغم بلوغها النهائي للمرة الثانية تواليًا.
وتعقّد موقف الأرجنتين أكثر حين طُرد إنزو فيرنانديز بإنذارٍ ثانٍ في الوقت المحتسب بدل الضائع بعد عرقلته باو كوبارسي، لينهي المنتخب المباراة منقوصًا بعشرة لاعبين.
والأرقام كانت قاسية على راقصي التانغو. فبحسب ESPN، لم يسدّد المنتخب الأرجنتيني ولو مرة واحدة طوال الوقت الأصلي، ولم تأتِ أول تسديدة له إلا في الدقيقة 115، في حصيلةٍ هجومية توصف بأنها الأسوأ في تاريخ نهائيات كأس العالم.
أما ميسي، الذي خاض موندياله السادس، فمرّ عليه النهائي باهتًا؛ لمس الكرة 54 مرة فقط، واكتفى بمحاولةٍ يتيمة اعترضها الدفاع، دون أن يلمسها ولو مرة داخل منطقة الخصم. ومع ذلك أنهى البطولة برصيد ثمانية أهداف وأربع تمريرات حاسمة، وفق الشبكة ذاتها.
دموعٌ وفخرٌ في آنٍ واحد
رغم المرارة، رفض الجمهور مغادرة الساحة مهزومًا. "وصلنا إلى النهائي، وهذا ليس بالأمر الهيّن"، قال مشجع في العشرين من عمره لصحيفة بوينس آيرس تايمز. وردّد آخرون عبارةً واحدة: "شكرًا رغم كل شيء. شكرًا يا أرجنتين".
وظلّت الأجواء حيّة بعد صافرة النهاية؛ الطبول تُقرع والأعلام السماوية والبيضاء ترفرف فوق الرؤوس، في مشهدٍ بدا فيه الامتنان أقوى من خيبة الأمل.
ولم تنحصر المشاعر في العاصمة وحدها. ففي روساريو، مسقط رأس ميسي، تجمّع المئات حاملين الأعلام وصور القائد، في مشهدٍ يختصر علاقة بلدٍ بأكمله بنجمه.
ولم يتأخر أهل السياسة عن المشاركة في اللحظة. فقد كتب الرئيس خافيير ميلي على منصة إكس: "شكرًا جزيلًا أيها اللاعبون، لقد قاتلتم حتى الرمق الأخير"، وفق بوينس آيرس تايمز. أما المدير الفني ليونيل سكالوني فأقرّ بأن إسبانيا استحقت الفوز.
يُذكر أن الأرجنتين بلغت النهائي بعد سلسلة من العروض الدرامية، كان أبرزها الفوز على إنجلترا في نصف النهائي، ما جعل الخروج من البوابة الأخيرة أكثر إيلامًا.
هل كان آخر مونديال لميسي؟
ما جمع تلك الحشود لم يكن الخسارة وحدها، بل قناعة كثيرين بأنهم يودّعون ميسي في آخر مشاركة له بكأس العالم، وهو ما سبق أن ألمح إليه اللاعب نفسه، بحسب ESPN.
ولا يخلو الأمر من مفارقة؛ فقد سبق لميسي أن أعلن اعتزاله اللعب الدولي عام 2016 قبل أن يتراجع عن قراره ويعود بعد سنوات، وفق ESPN.
بهذا المعنى، بدت ليلة الأوبيليسكو أقرب إلى وداعٍ جماعي منها إلى حدادٍ على لقبٍ ضائع. جيلٌ كامل نشأ على أهداف ميسي نزل إلى الشارع ليقول "شكرًا" قبل أن يُسدل الستار. فبلوغ نهائيين متتاليين إنجازٌ لا يُستهان به، ولهذا خرج الجمهور ليكرّم فريقه بدل أن يجلده على الخسارة.
لكن السؤال يبقى معلّقًا: هل كانت تلك فعلًا كلمته الأخيرة مع المنتخب، أم أن للأسطورة فصلًا جديدًا؟ حتى الآن لم يصدر أي إعلان اعتزال رسمي، ووحدها الأيام المقبلة كفيلة بأن تقول إن كان الأوبيليسكو سيمتلئ مجددًا، بالحزن أو بالفرح.
المصادر
- بوينس آيرس تايمز
- ESPN
- صورة الغلاف: ليونيل ميسي / CC BY 3.0 via Wikimedia Commons.

No comments yet