يقف ليونيل ميسي على بُعد خطوةٍ واحدة من نهائي كأس العالم، خطوةٍ عنوانها مواجهة إنجلترا في نصف النهائي يوم الخامس عشر من يوليو على أرض أتلانتا، فيما بات الجميع تقريباً يُجمع على أنّ مونديال 2026 هو محطة الوداع الأخيرة لنجم الأرجنتين على أكبر مسرح في اللعبة.
ليست مجرد مباراة إذن.
إنها فصلٌ قد يكون الأخير في مسيرةٍ أطول من أن تُختصر في تسعين دقيقة. حتى الاتحاد الدولي لكرة القدم اختار أن يضع هذه المشاركة تحت عنوان «الرقصة الأخيرة»، في إشارةٍ واضحة إلى أنّ المونديال المقام في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا هو الأرجح آخر ما سيقدّمه القائد الأرجنتيني في البطولة التي منحها لقبها الأغلى عام 2022، حين رفع الكأس على رأس منتخب التانغو.
دموعٌ أمام الفراعنة
في ثمن النهائي، لم يكتفِ ميسي بقيادة رفاقه من الخلف. سجّل هدفاً في مرمى مصر ليدفع منتخب بلاده نحو الفوز بنتيجة 3-2، في مباراةٍ لم تهدأ حتى صافرة النهاية.
كان ذلك سادس لقاء إقصائي على التوالي في كأس العالم يهزّ فيه القائد شباك خصمه، سلسلةٌ تختصر وحدها ما يعنيه هذا اللاعب حين ترتفع الحرارة وتضيق المساحات على العشب. لكنّ الأرقام لم تكن الصورة الأبقى تلك الليلة، بل دموعُه وهو يغالب مشاعره على أرض الملعب، رجلٌ يدرك أنّ كل مباراةٍ قد تكون الأخيرة.
«استمتع باللحظة».. رسالة لاوتارو
في تلك اللحظة بالذات، اقترب لاوتارو مارتينيز من قائده بكلماتٍ قليلة لكنها بليغة. طلب منه أن يستمتع باللحظة، مذكّراً إياه بأنّ هذا موندياله الأخير.
جملةٌ عابرة فوق العشب، لكنها تختصر علاقة جيلٍ كامل من لاعبي الأرجنتين بنجمهم الأول. لم يعد ميسي بالنسبة إليهم مجرد زميلٍ يُمرّر ويسجّل، بل ذاكرةً حيّة يريدون أن يمنحوها الوداع الذي تستحقه، لا أن يتركوها تنطفئ في صمت. ولعلّ في تلك الكلمات ما يفسّر كيف يلتفّ المنتخب كله حول قائده في مونديال قد يكون الأخير.
من سويسرا إلى إنجلترا
في الدور ربع النهائي، لم يكن الطريق مفروشاً بالورود. احتاج راقصو التانغو إلى الوقت الإضافي كي يتجاوزوا سويسرا بنتيجة 3-1، بعد مباراةٍ رفض فيها الخصم الاستسلام مبكراً.
هذه المرة لم يكن ميسي صاحب التوقيع على لوحة النتيجة. حملها خوليان ألفاريز ولاوتارو مارتينيز، فيما اكتفى القائد بالإسهام في بناء الهجمات وتحريك الخيوط من العمق. صورةٌ ربما تلخّص المرحلة التي بلغها: نجمٌ لم يعد مضطراً إلى التسجيل في كل مباراة كي يكون حاضراً في كل تفصيل.
وهكذا بلغت الأرجنتين، حاملة اللقب، نصف النهائي وهي على بُعد انتصارٍ واحد من العودة إلى المباراة التي رفعت فيها الكأس قبل أربعة أعوام.
ماذا يعني فوزٌ واحد؟
الرجل الذي يملك الرقمين القياسيين التاريخيين في الأهداف والتمريرات الحاسمة عبر مشواره في كؤوس العالم لم يعد يلاحق الأرقام. ما يسعى إليه الآن أبسط من ذلك وأصعب في آنٍ واحد: مباراةٌ إضافية بقميص الأرجنتين، وربما نهائيٌّ يكتب فيه النهاية على طريقته الخاصة.
أمامه تقف إنجلترا، الطامحة بدورها إلى نهائيٍ لطالما داعب خيالها. لن يمنح الأسود الثلاثة القائد الأرجنتيني هذه اللحظة بسهولة، وهم يدركون تماماً حجم ما ينتظرهم في أتلانتا.
يبقى السؤال معلّقاً حتى صافرة البداية يوم الخامس عشر من يوليو: هل يقود ميسي منتخب بلاده إلى نهائيٍ جديد، أم أنّ الرقصة الأخيرة ستتوقف على بُعد خطوةٍ من المسرح الأكبر؟ مهما كانت الإجابة، تعرف الكرة أنّ عيونها كلها ستكون معلّقة على قدمَي رجلٍ اعتاد أن يحوّل اللحظات الكبرى إلى ذكرياتٍ لا تُنسى.
No comments yet