بعمر 18 عامًا و280 يومًا، وقف أيوب بوعدي على أرضية الملعب في فوكسبورو بولاية ماساتشوستس، ليصبح ثاني أصغر لاعب في التاريخ يبدأ مباراة في الدور ربع النهائي بكأس العالم، خلف الأسطورة بيليه وحده. غير أن الرقم القياسي لم يكن العنوان الأبرز في تلك الليلة.
الخصم الذي انتصب بوعدي في وجهه لم يكن سوى فرنسا.. البلد الذي وُلد فيه وترعرع بين أحيائه، والذي اختار هو أن يديره ظهره قبل أسابيع قليلة من انطلاق المونديال. مواجهة كهذه لا تُكتب كل يوم.
ابن ضواحي باريس
لفهم حجم القرار، لا بد من العودة إلى البداية. وُلد بوعدي في فرنسا وكبر فيها، وليس بينه وبين المغرب سوى الجذور. فوالده حسن بوعدي، لاعب كرة اليد السابق، يشغل اليوم منصب نائب عمدة مدينة كراي الواقعة على بُعد نحو 50 كيلومترًا شمال العاصمة باريس، وفق ما نقلت الجزيرة.
في هذه المدينة الصغيرة تشكّلت ملامح اللاعب، بعيدًا آلاف الأميال عن ملاعب الرباط والدار البيضاء. كان يمكن لهذا الشاب أن يكبر ليصبح أحد وجوه فرنسا الجديدة. لكن الموهبة لم تنتظر طويلًا لتفرض نفسها، والقلب كان يميل إلى جهة أخرى.
أصغر لاعب في تاريخ أوروبا
تدرّج بوعدي في أكاديمية نادي ليل، ثم خطف الأضواء مبكرًا. فقد خاض أولى مبارياته مع الفريق الأول في دوري المؤتمر الأوروبي وهو ابن 16 عامًا وثلاثة أيام فقط، ليصبح أصغر لاعب على الإطلاق يشارك في مسابقة أوروبية للأندية، بحسب شبكة تي إن تي سبورتس.
رقم كهذا لا يمر مرور الكرام. فمنذ تلك اللحظة، بات اسم بوعدي مرتبطًا بالمواهب التي تحرق المراحل، لا التي تنتظر دورها بصبر في صفوف الرديف.
قرار غيّر كل شيء
كان الطريق نحو منتخب فرنسا مفتوحًا أمام بوعدي. الموهبة حاضرة، والمكان شبه مضمون في منظومة الديوك الغنية بالمواهب. غير أنه اختار الاتجاه المعاكس.
وافق الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) في مايو/أيار 2026 على تغيير اللاعب لانتمائه الدولي من فرنسا إلى المغرب، أي قبل أشهر قليلة فقط من انطلاق البطولة، بحسب تي إن تي سبورتس والجزيرة.
لم يكن قرارًا عابرًا. فحين يختار مراهق في هذه السن أن يبدّل مساره الدولي، فإنه يضع مستقبله كله على خيار واحد. وبوعدي راهن على قميص أسود الأطلس، على حساب أحد أقوى منتخبات العالم.
خلف بيليه مباشرة
لم يكن بوعدي مجرد اسم يزيّن القائمة. فقد دفع به المدرب أساسيًا في خمس من مباريات المغرب الست بالبطولة، ليتحوّل بسرعة إلى ركيزة في وسط الميدان رغم صغر سنه.
وفي ربع النهائي، دخل التاريخ من أوسع أبوابه. فبعمر 18 عامًا و280 يومًا، بات ثاني أصغر لاعب يبدأ مباراة في هذا الدور بتاريخ كأس العالم، خلف بيليه وحده، الذي كان قد بدأ مع البرازيل في مواجهة ويلز وهو ابن 17 عامًا و239 يومًا عام 1958، بحسب موقع ويون نيوز.
أن يُذكر اسم لاعب في الثامنة عشرة إلى جوار بيليه ليس أمرًا عابرًا. الفارق بين الرقمين لا يتجاوز أشهرًا معدودة، لكن الاسم الذي يسبقه في القائمة يكفي وحده ليضع بوعدي في دائرة الضوء العالمية.
شارك بوعدي على مدار 62 دقيقة، قبل أن يسقط المغرب في النهاية بثنائية نظيفة أمام فرنسا في فوكسبورو يوم 9 يوليو/تموز 2026، وفق شبكة إن بي آر. المنتخب الذي رفضه.. هو من أنهى مشواره في أول مونديال يخوضه.
"لا ندم على الإطلاق"
رغم مرارة الوداع، لم يتزحزح بوعدي قيد أنملة عن قناعته. قال عقب المباراة: "لا ندم على الإطلاق... أنا فخور حقًا بأنني اخترت المغرب"، بحسب ياهو سبورتس. كلمات قليلة، لكنها تختصر رحلة بأكملها.
وخارج المستطيل الأخضر، ترتفع أسهم اللاعب باطّراد. فقد أكد رئيس نادي ليل أوليفييه لوتون أن بوعدي يفوق في قيمته ما أنفقه النادي هذا الصيف على صفقتَي إليوت أندرسون وساندرو تونالي مجتمعتين، بحسب تي إن تي سبورتس. أن يضع رئيس ناديه لاعبًا في الثامنة عشرة في كفة، وصفقتَي الصيف في كفة أخرى، فهذا يقول الكثير عمّا ينتظره. وكان اللاعب قد وقّع في ديسمبر/كانون الأول عقدًا جديدًا يمتد مع ليل حتى عام 2029.
ودّع المغرب المونديال، لكن حكاية بوعدي تبدو في فصلها الأول فقط. مراهق في الثامنة عشرة، يتقاسم رقمًا قياسيًا مع بيليه وحده، ويرتبط بعقد طويل مع أحد أبرز أندية فرنسا، ويحمل قميص منتخب اختاره بكامل إرادته. يبقى سؤال واحد معلّقًا: إلى أي مدى يمكن لهذه الموهبة أن تصل؟



No comments yet