يقف مدافع لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره على خطّ النار. أمام باو كوبارسي مهمة قلّ أن واجه لاعب في مثل سنّه أصعب منها: تحجيم كيليان مبابي، هدّاف مونديال 2026 بلا منازع، حين يلتقي منتخبا إسبانيا وفرنسا في نصف النهائي يوم الثلاثاء 14 يوليو/تموز على ملعب دالاس.
بلغت "لا روخا" المربع الذهبي وهي تحمل أقوى سجلّ دفاعي في البطولة، فيما تصل فرنسا وهجومها الأكثر اشتعالًا. مواجهة تختصر المونديال كله في مبارزة واحدة: أمنع جدار في وجه أخطر رأس حربة.
الجدار الذي محا رقم مالديني
شكّل كوبارسي مع إيمريك لابورت ثنائية قلب الدفاع طوال رحلة إسبانيا نحو المربع الذهبي، حتى باتت هذه الشراكة واحدة من أبرز نقاط قوة المنتخب. لم يغب الشاب الكتالوني عن دقيقة واحدة في البطولة، وهو أحد ثلاثة لاعبين فقط حافظوا على حضورهم الكامل إلى جانب الحارس أوناي سيمون والظهير مارك كوكوريا.
والأرقام وحدها كفيلة برواية القصة. حافظ كوبارسي على نظافة شباكه في أول خمس مباريات خاضها بكأس العالم، فبلغ هذا الحاجز أسرع من أي مدافع في تاريخ المونديال، متجاوزًا علامة الأسطورة الإيطالية باولو مالديني الذي احتاج إلى سبع مباريات لتحقيقها. رقم لا يُبنى بالحظ، بل بقراءة دقيقة للمساحات وثبات في المواجهات الفردية.
ولم يكن هذا سوى جزء من صمود جماعي لافت. امتدّ دفاع إسبانيا 650 دقيقة متواصلة دون أن تهتزّ شباكه، في رقم قياسي جديد بتاريخ كأس العالم حطّم علامة فالتر زينغا الصامدة منذ 36 عامًا (517 دقيقة في مونديال إيطاليا 1990)، قبل أن يضع البلجيكي تشارلز دي كيتيلاري حدًّا للسلسلة بهدف في الدقيقة 41 من ربع النهائي. ورغم انكسار الرقم، بقيت الرسالة واضحة: اختراق هذا الدفاع مهمة لا يُحسد عليها خصم.
هدّاف يبحث عن ثغرة
على الضفّة المقابلة، يصل مبابي إلى دالاس متصدّرًا قائمة الهدّافين برصيد 8 أهداف و3 تمريرات حاسمة في ست مباريات خاضها منتخب "الديوك". لم يكن طريقه معبّدًا على الدوام؛ ففي ربع النهائي أهدر نجم فرنسا ركلة جزاء في الشوط الأول أمام المغرب، لكنه ردّ سريعًا بافتتاح التسجيل في الدقيقة 60 بتسديدة منحنية، ثم هيّأ لعثمان ديمبيلي الهدف الثاني بعد ستّ دقائق فقط. تفصيل صغير يكشف قدرة الرجل على طيّ صفحة الإخفاق في لحظات.
ولا يقتصر خطر فرنسا على نجمها وحده. اهتزّت شباك "الديوك" مرتين فقط مقابل 16 هدفًا سجّلتها في ست مباريات هذا الصيف، ما يعني أن كوبارسي ولابورت لن يواجها مهاجمًا منفردًا، بل منظومة هجومية متكاملة يتقدّمها مبابي وتُحسن استغلال أنصاف الفرص. ومع ديمبيلي إلى جانبه، يصبح خيار مراقبة رجل واحد رهانًا محفوفًا بالمخاطر.
معركة دالاس المرتقبة
هنا تكمن عقدة اللقاء. سرعة مبابي وقدرته على الحسم من لمسة واحدة، في مواجهة هدوء ثنائي إسباني قرأ خطورة كل مهاجم واجهه حتى الآن. هل تكفي خبرة لابورت لتغطية أي مساحة يتركها اندفاع الفرنسي في العمق؟ وهل يصمد مراهق في التاسعة عشرة تحت وطأة ضغط بهذا الحجم على أحد أكبر مسارح اللعبة؟
الرهان الإسباني يتجاوز الثنائي إلى المنظومة كلها؛ فخلف كوبارسي ولابورت يقف أوناي سيمون صاحب ذلك الجدار القياسي، وأمامهم ضغط جماعي يحاول قطع الإمدادات عن مبابي قبل أن تصله الكرة.
تبقى الأسئلة معلّقة حتى صافرة البداية على ملعب دالاس. المنتخب الفائز سيضرب موعدًا في النهائي مع المتأهّل من نصف النهائي الآخر الذي لم تُحسم هويته بعد. أما خاسر الموقعة، فسيغادر البطولة وهو يدرك أن تفصيلًا واحدًا في مبارزة الجدار والهدّاف ربما يصنع الفارق بين المجد والوداع.

No comments yet