كسر المنتخب السويسري عقدة طالما لاحقته. فبعد تعادل سلبي أمام كولومبيا في ثمن نهائي مونديال 2026، احتكم الفريقان إلى ركلات الترجيح، وحسمها رفاق غرانيت تشاكا بنتيجة 4-3، ليعبر السويسريون إلى الدور ربع النهائي لأول مرة منذ عام 1954.
اثنان وسبعون عامًا من الانتظار طُويت بركلة واحدة. سدّدها البديل روبن فارغاس في الشباك، بعدما تصدّى الحارس غريغور كوبل لمحاولة كوتشو هيرنانديز، ليمنح سويسرا أول انتصار في تاريخها بركلات الترجيح على مسرح كأس العالم، وفق شبكة ESPN. المحاولة الوحيدة السابقة كانت قد انتهت بخسارة أمام أوكرانيا عام 2006، ومنذ ذلك المساء ظلّت النقطة البيضاء عقدة تلاحق كل جيل سويسري.
«كسرنا اللعنة أخيرًا»، قال المدير الفني مراد ياكين بحسب ESPN، مضيفًا: «أنا سعيد للغاية من أجل الجميع، اللاعبين والجهاز الفني والجماهير». جملة قصيرة تختصر مشروعًا لم يُبنَ في ليلة واحدة.
مشوار بلا هزيمة يبدأ من الدور الأول
لم يبدأ الطريق إلى كانساس سيتي من على النقطة البيضاء، بل من انضباط طويل النفس في المجموعة الثانية. تصدّرت سويسرا مجموعتها دون أن تذوق طعم الهزيمة، فتعادلت 1-1 مع قطر، ثم قلبت تأخّرها أمام البوسنة والهرسك إلى فوز عريض بأربعة أهداف مقابل هدف، رغم أن الخصم أنهى اللقاء بعشرة لاعبين. ورغم تعثّر بعض اللحظات، كشف رد الفعل عن فريق يجيد الخروج من العواصف.
في تلك الليلة تحديدًا ظهرت شخصية المنتخب الذي يعيد ياكين تشكيله. لم تكتفِ سويسرا بالعودة من الخلف، بل أجهزت على المباراة في الوقت القاتل حين سجّل قائدها غرانيت تشاكا ركلة جزاء عند الدقيقة 90+7، تتويجًا لريمونتادا لم تترك للبوسنة ما تتعلق به، بحسب الجزيرة. رسالة مبكرة مفادها أن هذا الفريق لا يرفع الراية البيضاء قبل الصافرة الأخيرة، وأن قائده يتقدّم الصفوف حين تثقل اللحظة.
ثنائية نظيفة تفتح الأدوار الإقصائية
في دور الـ32، قدّم المنتخب السويسري وجهه الأكثر اكتمالًا. تغلّب على الجزائر بثنائية نظيفة، إذ افتتح رأس الحربة بريل إمبولو التسجيل مبكرًا في الدقيقة 10، قبل أن يضيف دان ندوي الهدف الثاني مع انطلاقة الشوط الثاني في الدقيقة 46، وفق ESPN. هدفان في توقيتين مثاليين: أولٌ يهدّئ الأعصاب، وثانٍ يطفئ حماس الخصم فور عودته من الاستراحة.
بهذا الفوز بلغت سويسرا ثمن النهائي للمرة الرابعة على التوالي في كأس العالم، رقم لا يصنعه الحظ. فالمنتخب الذي يقوده ياكين لا يبهر بالاستحواذ ولا يبحث عن الاستعراض، بقدر ما يحسم المباريات بالانضباط الدفاعي والصبر أمام المرمى وحُسن استغلال اللحظة. بريل إمبولو ودان ندوي يمثّلان الوجه الهجومي لهذا المشروع، لكن قوة سويسرا الحقيقية تكمن في التوازن، لا في نجم بعينه.
لكن ثمن النهائي طالما كان محطة النهاية بالنسبة إلى سويسرا. فالمنتخب بلغ هذا الدور في أربع نسخ متتالية من كأس العالم، دون أن يتجاوزه في المرات السابقة، حتى بدا سقفًا زجاجيًا يتكسّر عنده الحلم في كل مرة. ومنذ نسخة 1954، تعاقبت الأجيال السويسرية دون أن يبلغ أيٌّ منها ربع النهائي. مهمة ياكين كانت أن يمنح هذا الجيل الخطوة الإضافية التي عجزت عنها الأجيال قبله.
اللحظة التي أسقطت العقدة
أمام كولومبيا، اختار السويسريون طريق الأعصاب. صمد التعادل السلبي طوال الوقتين الأصلي والإضافي، وبقيت شباك كوبل نظيفة للمباراة الثانية على التوالي في الأدوار الإقصائية، لتُحسم المواجهة من على النقطة البيضاء التي طالما كانت كابوس السويسريين.
هنا كان الامتحان الأصعب. تاريخ سويسرا مع الترجيح لم يكن يدعو إلى الاطمئنان، وثِقل الذكريات كان حاضرًا قبل أن يقف اللاعبون خلف الكرة. لكن كوبل حوّل الضغط إلى سلاح حين تصدّى لركلة كوتشو هيرنانديز، ثم جاء فارغاس، البديل الذي دخل ليحمل المسؤولية، فوضع الكرة في الشباك ببرودة تامة وأنهى عشرين عامًا من العقدة في ثوانٍ.
وقف غريغور كوبل في قلب هذا المشوار. شباكه بقيت نظيفة في مباراتي الإقصاء الأوليين، ثم حضرت يداه في اللحظة الأصعب أمام كولومبيا. الفارق بين جيل يخرج مكسورًا وآخر يعبر إلى التاريخ كان تصدّيًا واحدًا وركلة واحدة. لأول مرة، لم تكن النقطة البيضاء لعنة على السويسريين، بل جسرًا إلى التاريخ.
ما بناه ياكين.. وميسي في الانتظار
يُقرأ هذا المشوار كسلسلة من الانتصارات الصغيرة المتراكمة: نقاط لا يُفرّط بها في الدور الأول، ريمونتادا في الوقت القاتل، شباك تُغلق تحت الضغط، وأعصاب تُختبر على النقطة البيضاء فلا تنهار. لكل انتصار من هذه الانتصارات بصمة واضحة لمدرّب يعرف ما يريده من فريقه. والأهم أن سويسرا بلغت ربع النهائي دون أن تُهزم في أي مباراة حتى الآن، وهذه هي هوية المنتخب الذي أعاده ياكين إلى دور لم يبلغه أي جيل سويسري منذ 72 عامًا.
في ربع النهائي، ينتظر سويسرا امتحان من طراز مختلف تمامًا. على أرضية ملعب «أروهيد» في مدينة كانساس سيتي، يقف حامل اللقب المنتخب الأرجنتيني بقيادة ليونيل ميسي في الجهة المقابلة، بحسب ESPN. قصة المباراة ستُكتب على الحد الفاصل بين دفاع سويسري لم يهتزّ كثيرًا حتى الآن، وخبرة حامل اللقب الذي يضمّ في صفوفه واحدًا من أعظم من لمسوا الكرة في تاريخ اللعبة.
السؤال الذي يحمله السويسريون إلى كانساس سيتي واحد لا ثاني له: هل يصمد الانضباط الذي رمّمه ياكين أمام بطل العالم ونجمه الأول؟ الإجابة تنتظر صافرة البداية.



No comments yet